الغزالي

97

إحياء علوم الدين

بيان الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا اعلم أنه ظن ظانون أنه يتصور محو الغضب بالكلية ، وزعموا أن الرياضة إليه تتوجه وإياه تقصد . وظن آخرون أنه أصل لا يقبل العلاج ، وهذا رأى من يظن أن الخلق كالخلق وكلاهما لا يقبل التغيير . وكلا الرأيين ضعيف . بل الحق فيه ما نذكره ، وهو أنه ما بقي الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا ، فلا يخلو من الغيظ والغضب . وما دام يوافقه شيء ، ويخالفه آخر ، فلا بد من أن يحب ما يوافقه ، ويكره ما يخالفه : والغضب يتبع ذلك . فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة ، وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة . إلا أن ما يحبه الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول : ما هو ضرورة في حق الكافة ، كالقوت ، والمسكن ، والملبس ، وصحة البدن فمن قصد بدنه بالضرب والجرح ، فلا بد وأن يغضب . وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر عورته ، وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه ، أو أريق ماؤه الذي لعطشه . فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ، ومن غيظ على من يتعرض لها القسم الثاني : ما ليس ضروريا لأحد من الخلق ، كالجاه ، والمال الكثير ، والغلمان والدواب . فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة ، والجهل بمقاصد الأمور ، حتى صار الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ، ويغضب على من يسرقهما ، وإن كان مستغنيا عنهما في القوت . فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان عن أصل الغيظ عليه . فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه ، فهدمها ظالم ، فيجوز أن لا يغضب . إذ يجوز أن يكون بصيرا بأمر الدنيا ، فيزهد في الزيادة على الحاجة ، فلا يغضب بأخذها ، فإنه لا يحب وجودها ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها ، وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروري ، كالجاه ، والصيت ، والتصدر في المجالس ، والمباهاة في العلم . فمن غلب هذا الحب عليه ، فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على التصدر في المحافل . ومن لا يحب ذلك